Jun 6, 2007

الزيارة

في انتظار الزيارة تدور عيناي تمسح تلك الجدران الأربعة 280,180,280,180سم يقتطع الباب منها 100سم, والشباك70سم. وأنظر لأعلى لأجد مروحة السقف التي نتباهى بها بين سائر الزنازين وهى تدور وأتمنى لو كانت عقارب الساعة تدور بسرعتها... وأشعر بحرارة ذلك المصباح الذي يشع حرارة أكثر من إشعاعه نوراً وعندما تقع عيناي عليه يتحول كأنه شمس الظهيرة في بريقها وشعاعها.
أجد نفسي وسط وتحت هذا كله أنظر إلى الحقائب المعلقة على الحائط حتى لا أكاد أراه وذلك الحبل المزدوج الذي يمتد بطول الغرفة ذهاباً وإيابا تتدلى منه الفوط والبنطلونات والفانلات لتصطدم برأسي كلما قمت من مجلسي وأنا أتعافي على ركبتي المتحجرتين وأسند كلا جانبي بيدي من ألم ألمّ بهما من كثرة الجلوس الذي لا ينتهي فأنا إما جالس أرضاً أو جالس على كرتونة ومع القليل من الازدهار قد أكون جالساً على كرسي... أما الوقوف فهو للانتقال من موضع جلوس إلى جلوس.
أما عندما يراودني حلم الرياضة المتألق أهب فى وثبة الأسد أثبت لمن حولي أنني ما زلت شاباً وعلى استعداد لأداء حركات سويدي برشاقة فائقة فإذا بالحقيقة المرة كصدمة تدهمني فأنا إن رفعت يداً لا أستطيع رفع الأخرى وإن أثنيت ظهري في تمرين لا تكاد عظامه ترجع مكانها.. وعندما أستسلم لحقيقة الشيب الذي أهرب منه والعجز الذي لا أواجهه... لكن أعود أقول لنفسي سأرى الآن زوجتي الحبيبة وأولادي الرائعين وأمي الحنونة ومن تذكرني من أهلي وأهل زوجتي فجاء مواسياً أو مؤدياً واجب خشية العتاب ليعود لي مع زيارتهم شبابي المفقود وأرى في وجوههم عافيتي المجمدة إلى حين...
ولكن أسارع نفسي هل تذكرت كل شيء وكتبته في خطاباتي؟ هل جهزت أشيائي التي سأعطيها زوجتي لترحمني من عناء معركة التدافع بالأذرع مع ملابسي في طشت الغسيل؟ هل سأستحضر بسمتي وأعدّها على أبواب شفتاي لتستقبلهم مؤكدة أني سعيد وبخير؟ هل؟... هل؟
والآن جاء المنادي ليقطع بصوت إعلانه عن الزيارة وساوس داهمت فكري عن سبب تأخرهم.. الآن أطمأن قلبي وهذا يدعم بسمتي نوعاً ما... وألملم أشيائي وأرتدي أحسن ما عندي من ثياب بيض فذلك اللون الوحيد المسموح به وأضع ما تيسر من العطر وأنظر لنفسي في مرآة صغيرة أهندم نفسي كأنني أتقدم إلي عروس لأول مرة...
أضطرب لحظة قبل دخولي الزيارة خشية أن يعلو وجهي بعض ملامح الضيق مما أعاني من كبت وتضييق وتغييب عن أحلامي, وصراع بين إيماني وتسليمي وبين فكري وقلقي على ما غبت عنه.
أو بين سكينتي في خلوتي بكتاب الله وصلاتي ودعائي وبين شوقي الفطري لممارسة ما أعتدت من عمل وتعامل وقيادة سيارتي الجميلة واستخدام حاسوبي الشخصي الذي صار صديقي المفضل ومجالسة أمي وزوجتي وأولادي نتسامر.
نعم أخشى أن يظهر على ذلك الغم الناتج عن تذكري أناس خذلوني عن قرب وآخرين لم أر وجوههم أو أسمع صوتهم أو بلغني سلامهم منذ أن سجنت وكأني مُحيت من ذاكرته.
الآن أتقدم وألمح أولادي يضحكون فرحاً برؤيتي وزوجتي يكاد الشوق ينبعث من عينيها خلف النظارة ويبتسم ثغرها يذكرني أياماً وسنين ترافقنا فيها زوجيين وصديقين..وإذا بقلبي يطير فرحاً أن رأيت أمي الحنون سالمة تقف تنتظرني وقد أختلط عليها الفرح والحزن, تبتسم وتبكي و لا تملك فيضان الدمع من مقلتيها فأسرع وأقبل يديها لأتذكر ذلك الصباح الجميل المتكرر الذي طالما ابتدأه بتقبيل يديها وجبينها لعلي أؤدي لها مع شدة تقصيري بعض ما منحته أياي من تضحية وحب ودفء.
وتبدأ السلامات والاطمئنان وتضيع بعدها الكلمات وأتمنى وقتها أن يُنادى على هيا أذهب معهم إلى دارك... و أبنتي الحبيبة أميرة بعينيها الجميلتين العسليتين اللون تمسك بأحضاني وتطاول بعنقها الجميل لتقترب من وجهي لتهديه بسمة ثم قبلة حانية... ويلمحها صلاح الدين الأصغر منها بسنة لينافسها في إظهار حبه فيقف على أطراف أصابعه يتعلق بي ليقبلني هو الآخر قبلة حانية وأمي تحاول بكلماتها تبيان أن صلاح الدين يحبني جداً وأن أميرة متعلقة فى ولا تعطيه فرصة... لقد اعتادت أمي مناصرة صلاح الدين كرد فعل لما يتبادر لذهنها أنني أحب أميرة أكثر ولكن الأمر غير ذلك فأميرة تحسن التعبير عن حبها وأنا أحب كليهما.
وبين أميرة صلاح الدين تبدأ مشاعر الغيرة ترتسم على وجه زوجتي الحبيبة فأمحوها بلمسة يد أو إمساكها وأدنيها مني لتطمئن أنها لها وضع خاص في قلبي... فإذا بتمرد ثائر ينشب من بين عيني أمي ترفع لافتة وأين أنا؟ فأرد عليها بقبلة يد وأطبع عليه بل أنت... أنت الحب كله والتضحية كلها ولولاك أنت لما كنت فتهدأ ثورتها وتطمئن.
وأظل بين أبنتي وأبني وزوجتي وأمي أتلقى الحب وأبادلهم إياه فأمسح عن قلبي ذلك الحزن الذي ملأته ساعات وأيام مكثي في السجن الذي سجن سعادتي قبل جسدي وقيد حريتي وأطفأ انطلاقي, ويح الظالمين من تعلقي بهم يوم الدين أسأل ربي أن يقتص لي منهم والحمد لله الذي جعل للضعفاء يوماً أن كانت عليه في الدنيا الأيام.
وتفزعني حينها صرخة المنادي معلناً نهاية الزيارة... نهاية سعاتي العابرة بين تلال حزني ونهاية حلمي الجميل القصير وإحساسي بأنني طليق بين يدي أهلي... وإذا بالدمع يملأ العيون دون انهمار فتغرورق به وتتلألأ حزناً وحرماناً ونتعلق جميعاً ببعض معلنين رفضنا الافتراق ولكن يؤكد المنادي انتهاء الزيارة...
ما أجملها من عشرة دقائق أو أكثر أو أقل تلك التي قضيتها مع أهلي فأعادوا لي الحياة وأسعدوني و ويحي مما يعقبها من أحزان... أسرع لعلي أسابق الزمن القصير المتبقي فأحتضن أميرتي وصلاح الدين وأمي وأختم بزوجتي الحبيبة التي قل كلامها وعظم إحساسها وتسامت مواقفها... يا لها من زوجة وفية يالأمي من أم حنون و يالأولادي من أولاد رائعين... أباهي بهم جميعاً الدنيا.
وأقول لنفسي إن سعادة كتلك تستحق أن أدفع ضريبتها, فبلاء كبلائي أرحم من أسرة مفككة أو أبناء عاقين أو أم غضوب أو زوجة عبوس, فلك الحمد ربي لهذه النعمة وما أكثر نعمك علي وأقل عقابك لي على ما قصرت وقدمت يداي... فكيف لي أن أجزع من امتحانك؟ أو أعترض على قضائك؟ حاشاك ربي حشاك من ظلم أو قهر, ورحماك ربي رحماك أوسع لي وعافيتك هي رحابي في هذه الدنيا.
وتظل النظرات تتبادل الحب والسلام من بعيد حتى يتواروا عني وإذا بعيناتي ترجع بالنظر مرة أخرى إلى جدران سجني لأفيق على حقيقة أنني لا زلت سجيناً... وألملم هداياهم لأعود خطوة يرفرف فيه القلب فرحاً مما غنمت من لقاء أحبائي وخطوة يقطر قلبي دماً لفراقهم وإذا بالسؤال يواجهني من إخواني بالسجن عن أخبار أهلي ولماذا أبدو متغيراً؟ أعود وأهرب ممن حولي لأخلو بنفسي أقرأ خطاباتهم الرقيق والتي كلما طالعت فيها كلمة حب تغرورق عيني بالدمع الحنين وأداري دمعي حتى لا يظن بي الآخرون أني بمشكلة ما.
وتحتويني زنزانتي مرة أخرى أنظر إلى ريش المروحة تدور وأتمنى لو عقارب الساعة دارت بسرعتها ليأتي يوم الزيارة التالية... وأظل بين الزيارة والزيارة في انتظار الزيارة.
وهكذا أصبحت الزيارة محطة زاد للمحبة والحزن فى نفس الوقت... فبمقدار اشتياقي للزيارة بقدر وجل قلبي كلما اقتربت... ويبدأ العد التنازلي لبدء نفحة جديدة للسعادة... وتجديد آخر للأسى والشعور بالفراق وكأنني فراشة تقترب من النور تتلذذ به وتحترق فيه.
ويبدأ بعدها عزف ألحان الذكريات بفكري وقلبي فأطرب للحن وأبتسم ثم يصيبني الشجن وحزن الفؤاد على الفراق... ولا أجد سلوى إلا القلم أمسك به وبورقتي لأخط خطابات الود والحب لأهلي من جديد... ولا أنتظر فوات اليوم حتى أبدأ كتابة خطابتي وكأن من أخاطبهم بها ماثلون أمامي أرى وجوههم وأنظر إلى عيونهم.
وهذه هي زيارتي

0 comments: